علي بن محمد البغدادي الماوردي
288
أدب الدنيا والدين
الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك وإياك وفضوله فإنه يزل القدم ويورث الندم . وقال بعض الفصحاء : فم العاقل ملجم « 1 » إذا هم بالكلام أحجم « 2 » وفم الجاهل مطلق كلما شاء أطلق . وقال بعض الشعراء : إن الكلام يغر « 3 » القوم جلوته « 4 » * حتى يلج به عيّ وإكثار وأما الشرط الرابع وهو اختيار اللفظ الذي يتكلم به فلأن اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهول ويبرهن عن محصوله فليزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريا وبتقويم لسانه مليا . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لعمه العباس : يعجبني جمالك قال : وما جمال الرجل يا رسول اللّه قال : لسانه . وقال خالد بن صفوان ما الإنسان لولا اللسان هل كان إلّا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة . وقال بعض الحكماء : اللسان وزير الإنسان . وقال بعض البلغاء : يستدل على عقل الرجل بقوله وعلى أصله بفعله . وقال بعض الشعراء : وإن لسان المرء ما لم تكن له * حصاة « 5 » على عوراته لدليل وليس يصح اختيار الكلام إلّا لمن أخذ نفسه بالبلاغة وكلفها لزوم الفصاحة حتى يصير متدرّبا بها معتادا لها فلا يأتي بكلام مستكره اللفظ ولا مختلّ المعنى لأن البلاغة ليست على معان مفردة ولا لألفاظها غاية وإنما البلاغة أن تكون بالمعاني الصحيحة مستودعة في ألفاظ فصيحة فتكون فصاحة الألفاظ مع صحة المعاني هي البلاغة . وقد قيل لليونانيّ ما البلاغة قال : اختيار الكلام وتصحيح الأقسام وقيل ذلك للروميّ فقال : حسن الاختصار عند البديهة والغزارة يوم الإطالة وقيل للهندي فقال :
--> ( 1 ) ملجم : أي بلجام التفكير . ( 2 ) أحجم : أي كف عنه . ( 3 ) يغر القوم : يقال : غره إذا خدعه . ( 4 ) جلوته : الجلوة بالكسر : ما يعطى للعروس عند الزفاف . ( 5 ) حصاة : والحصاة بفتح الحاء : العقل والرأي .